أبو علي سينا
158
القانون في الطب ( طبع بيروت )
على برد بلغمي مع مرار قليل . وفي أكثر الأمر فإن اللون يتغير بسبب الكبد إلى صفرة وبياض ، وبسبب الطحال إلى صفرة وسواد ، وفي علل البواسير إلى صفرة وخضرة ، وليس هذا بالدائم بل قد يختلف . والاستدلال من لون اللسان على مزاج العروق الساكنة والضاربة في البدن قوي . والاستدلال من لون العين على مزاج الدماغ قوي ، وربما عرض في مرض واحد اختلاف لوني عضوين مثل أن اللسان قد يبيض ، وبشرة الوجه تسود ، في مرض واحد مثل اليرقان العارض لشدة الحرقة من المرار . وأما الخامس : فهو جنس الدلائل المأخوذة من هيئة الأعضاء ، فإن المزاج الحار يتبعه سعة الصدر وعظم الأطراف وتمامها في قدورها من غير ضيق ، وقصر وسعة العروق وظهورها وعظم النبض وقوته وعظم العضل وقربها من المفاصل ، لأن جميع الأفاعيل النسبية والهيئات التركيبية يتم بالحرارة . والبرودة يتبعها أضداد هذه لقصور القوى الطبيعية بسببها عن تتميم أفعال الانشاء والتخليق . والمزاج اليابس يتبعه قشف وظهور مفاصل وظهور الغضاريف في الحنجرة والأنف وكون الأنف مستوياً . وأما السادس : فهو جنس الدلائل المأخوذة من سرعة انفعال الأعضاء ، فإنه إن كان العضو يسخن سريعاً بلا معاسرة فهو حار المزاج إذ الاستحالة في الجنس المناسب تكون أسهل من الاستحالة إلى المضادة وإن كان يبرد سريعاً فالأمر بالضد لذلك بعينه ، فإن قال قائل : إن الأمر يجب أن يكون بالضد فإنا نعرف يقيناً أن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبهه ، وهذا الكلام الذي قدمته يوجب أن يكون الانفعال من الشبه أولى . والجواب عن هذا أن الشبيه الذي لا ينفعل عنه هو الذي كيفيته وكيفية ما هو شبيه به واحدة في النوع والطبيعة . والأسخن ليس شبيهاً بالأبرد ، بل السخينان وأحدهما أسخن ، يختلفان ، فيكون الذي ليس بأسخن هو بالقياس إلى الأسخن بارداً ، فينفعل من حيث هو بارد بالقياس إليه لا حار ، وينفعل أيضاً عن الأبرد منه وعن البارد ، إلا أن أحدهما ينمّي كيفيته ويعيّن أقوى ما فيه والآخر ينقص كيفيته فيكون استحالته إلى ما ينمي كيفيته ويعين أقوى ما فيه أسهل . على أن ههنا شيئاً اخر يختصّ ببعض ما يشاركه في الكيفية وهو ناقص فيها مثل أن الحار المزاج في طبعه إنما يسرع قبوله ، لتأثير الحار فيه لما يبطل الحار من تأثير الضدّ الذي هو البرد المعاوق لما ينحوه المزاج الحار من زيادة تسخين ، فإذا التقيا وبطل المانع تعاونا على التسخين ، فيتبع ذلك التعاون اشتداد تام من الكيفيتين . وأما إذا حاول الحار الخارجي أن يبطل الاعتدال فإن الحار الغريزي الداخل أشد الأشياء مقاومة له ، حتى إن السموم الحارة لا يقاومها ولا يدفعها ولا يفسد جوهرها إلا الحرارة الغريزية . فإن الحرارة الغريزية آلة للطبيعة تدفع ضرر الحار الوارد بتحريكها الروح إلى دفعة وتنحية بخاره وتحليله وإحراق مادته ، وتدفع أيضاً ضرر البارد الوارد بالمضادة . وليست هذه الخاصية للبروعة